التدبُـر (الرابع والثلاثون)
قال تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)أيوب عليه السلام : جعله الله ـ تبارك وتعالي ـ مثالاً للصابرين المحتسبين .
فقد ماله وجميع أولاده ، وابتلاه ربه بالمرض في جسده
حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليماً سوى قلبه ولسانه ولم يبقى له من الدنيا شيءٌ يستعين به على مرضه وما هو فيه غير زوجته ، حفظت وده لإيمانها بالله
كانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة وقد كان قبل ذلك في مالٍ جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا
فسلب جميع ذلك حتى رفضه القريب والبعيد سوى زوجته الصابرة البارة ، فكانت لا تفارقه صباحاً ومساء إلا عندما كانت تذهب لتخدم عند الناس
واستمر أيوب في البلاء ثمانية عشر عام و هو صابر و لا يشتكي لأحد حتى زوجته .. و لما وصل بهم الحال إلى ماوصل قالت له زوجته يوما لو دعوت الله ليفرج عنك
فقال: كم لبثنا بالرخاء
قالت: ٨٠ سنة
قال: إني استحي من الله لأني مامكثت في بلائي المدة التي لبثتها في رخائي !
فعندها يئست و غضبت و قالت إلى متى هذا البلاء فغضب منها، كيف تعترضين على قضاء الله !
واشتد بهم البلاء حتى خاف الناس أن تنقل لهم عدوى زوجها فلم تعد تجد من تعمل لديه
قصت بعض شعرها فباعت ظفيرتها لكي تآكل هي و زوجها و سألها من أين لكي هذا ولم تجبه
و في اليوم التالي باعت ظفيرتها الأخرى و تعجب منها زوجها و ألح عليها
فكشفت عن رأسها !
فلما رأى ما فعلت تأثر
فنادى ربه نداءً تئن له القلوب ..
" ربي ... ( اني مسني الضر و انت أرحم الراحمين )
استحى من الله أن يطلبه الشفاء !
و أن يرفع عنه البلاء !
فجاء الأمر من من بيده الأمر :
" أركض برجلك هذا مغتسل
بارد و شراب "
فقام صحيحا و رجعت له صحته كما كانت
فجاءت زوجته ولم تعرفه فقالت:
هل رأيت المريض الذي كان هنا ؟
فوالله مارايت رجلا أشبه به منك عندما كان صحيحا ؟
فقال : أما عرفتني !
فقالت من انت؟
قال أنا ايوب !
يقول ابن عباس : لم يكرمه الله هو فقط بل أكرم زوجته أيضا التي صبرت معه اثناء هذا الابتلاء !
فرجعها الله شابة و ولدت لأيوب عليه السلام ستة و عشرون ولد و بنت و يقال ستة وعشرون ولد من غير الإناث
يقول سبحانه : " واتيناه أهله و مثلهم معهم"
من أعظم الفوائد من هذه القصة للمتفكر والمتدبر أن الدنيا ليست دار سعادة ومُقام فقد جُبِلتْ على الأحزان والهموم والكدح ، فهؤلاء هم أنبياء الله وصفوته من خلقه ، لم يسلموا من الأحزان والبلاء فصبروا وأخبتوا وأخلصوا لله الدعاء ، وقد أمرنا الله بالاقتداء بهم
أؤلئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده .
نسأل الله الثبات على التوحيد حتى الممات .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق